الجمعة، 15 يونيو 2018


ملحمة الإنسان والزمان
///// 8 //////
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أخي صبحي الجيار  
////// الحلقة الثامنة //////  
بقلم 
أحمد عبد اللطيف النجار 
كاتب عربي 

أمي ......
تحت هذا العنوان كتب أخي صبحي .....
الحديث عن أمي أكثر إحراجاً من حديثي عن أبي .
شخصية أمي تختلف كثيراً عن شخصية أبي ، فهو عصبي ثائر ، وهي هادئة باردة الأعصاب ، أبي هياب متردد ، وهي جريئة مندفعة ، أبي حنون شفوق ، وهي قاسية لا تهزها آلام الغير ،ولا تتعاطف مع المحتاجين إلي الحنان والمساعدة ، ولا ترحم الضعيف اذا تسلطت عليه ، وتتصرف وفق مصلحتها الخاصة دون مراعاة العدالة الإنسانية ، لكنها إذا فقدت سلطتها سرعان ما تستكين 
وتستسلم في بساطة وخضوع ، بعكس والدي الذي لا يستسلم للهزيمة ؛ بل يزداد شراسة وهياجاً ولو كلفته المعركة حياته !
أما في درجة الذكاء فوالدي يتفوق عليها كثيراً ، وإن كانت هي تتمتع ببراعة ملحوظة في الأعمال اليدوية التي لا تحتاج إلي ابتكار وخلق !
لكن أمي تمتاز عن أبي في بعض الصفات ، فهي أكثر منه مرحاً وتفاؤلاً ، وتتكيف في البيئة التي تتواجد فيها ؛ بعكس أبي الذي كان يميل إلي الكآبة والانطواء والتشاؤم ، أما والدتي فهي لا تحمل هماً ولا تعمل حساباً للغد .
وأسوأ ما يضايقني من والدتي أنها لا تؤمن بالتضحية من اجل الغير .
والعجيب أن هذه الأم الجامدة العواطف كانت في حياة أبي زوجة ممتازة ؛ مخلصة ؛ متفائلة ؛ صابرة ؛ مطيعة ، تدلل ابي وتتحمل عصبيته وترضخ لديكتاتوريته ، وهي البادئة بالصلح والاعتذار ، حتى ولو كانت مظلومة !
وكان والدي أحيانا يهينها بألفاظ جارحة ، فلا ترد شتائمه ، بل تربت عليه مستعطفة وتناجيه بألفاظ عاطفية مثل يا حبيبي ، يا قمر ، يا باشا !
ولا تتورع عن تقبيله أمامنا ، وكان والدي خجولاً ، وكان أيضا يحبها ، لكنه كان يخجل من إبداء عاطفته حتي 
لأبنائه !
كانت والدتي تخص أبي بأطيب ما فوق المائدة من طعام ، لكنه كان يرفض بشدة ان يتميز عنا وكان يصر علي أن يكون نصيبه مساوياً لكل واحد منا من حيث الكم والكيف .
كانت والدتي ضعيفة أمام الطعام الدسم ، وتتفنن في إعداده ، والعجيب أني دون أبنائها جميعاً قد ورثت عنها صفاتها الشكلية ، نفس الملامح ، الفم الصغير ، والأنف ذا المعطسين الواسعين ، والعينين السوداوين المستديرتين الغائرتين والحاجبين المستقيمين !
ولولا أنني أتبع قيوداً خاصة في طعامي لاكتسبت نفس القوام البدين !
ولم أرث أنا وأخوتي عيون ابي الزرقاء وبشرته الناصعة المشربة بالحمرة ، وذلك حسب نظرية مندل في الوراثة التي أثبتت أن العيون السوداء صفة سائدة والزرقاء صفة متنحية .
أما في الصفات المعنوية ، فأنا وأمي علي طرفي نقيض تقريباً ، لأن مكونات الشخصية لا تورث ، بل تكتسب من البيئة والثقافة والأحداث التي تمر بالإنسان .
والواقع أني أحياناً أرثي لها ، وألتمس لها بعض العذر لأنها نشأت محرومة من الحنان طوال عمرها ، فقد ماتت أمها بعد ولادتها بأيام ، فلم ترضع الحب في طفولتها ، ولم تهدهدها ذراعان حانيتان ، ولم تشعرها زوجة أبيها بالتضحية والإيثار ، وكان أبوها تاجراً سورياً نزح للإسكندرية .
ولما بلغت أمي السادسة عشرة ؛ تقدم لها أبي وانتزعها من عائلتها الصغيرة وأتي بها إلي بيت الأسرة في القاهرة ؛ فذاقت الأمرين علي أيدي عماتي اللاتي كن اكبر منها سناً !
ثم مات أبوها وأخوها ولم يتعد كل منهما الخامسة والأربعين ، وبهذا أصبحت هي الفرع الوحيد في شجرة عائلتها السورية .
من ميزات أمي أنها كانت تستطيع أن تتحمل مسئولية أولادها وبيتها وتضطلع بأعبائه في يُسر ونشاط ، وهي التي كانت تشترى كل احتياجات الأسرة من ملابس إلي مأكولات إلي مفروشات .
ولا أذكر أن أبي اشترى لنا يوما قميصاً أو حذاء ، بل ان والدتي كانت تشتري له أحيانا بعض قمصانه وجواربه .
وكانت والدتي تتفاعل مع أمزجتنا ، حتي وسائل التسلية التي لا تخرج عن الراديو أو النزهة علي النيل وفوق كوبري الملك الصالح وكوبري عباس ، ومسرح الليدو الصيفي .
ولم تكن أمزجتنا تتنافر، فهي تُعجب بأفلام شيرلي تمبل الطفلة ، ونحن نُغرم بمآسي يوسف وهبي الفاجعة !
وفي الشتاء كانت تصحبنا إلي سينما الكوزمو أو سينما استديو مصر في وسط البلد .
في طفولتي المبكرة كان أمي تحكي لنا حكايات عجيبة عن الشاطر حسن وست الحسن والجمال ، وسكة السلامة وسكة الندامة ، وسكة اللي يروح ما يرجعشي ، وحكايات أخرى ، وجدت فيما بعد أن لها جذوراً في قصص ألف ليلة وليلة ، وكانت أمي تعي هذه الحكايات عن زوجة أبيها ، ولعل ما كانت أمي ترويه لنا هو أول ما طرق سمعي من الأدب القصصي ، الذي أصبح فيما بعد هوايتي ، ثم مهنتي التي احترفها !
وأصبحت الآن اقرأ لوالدتي بعض إنتاجي ؛ فتستحسن معظمه وتنتقد بعضه بطريقة ساذجة !
وعلي أي حال فهي في هذا أفضل بكثير من والدي ، لأنها علي الأقل تستسيغ إنتاجي ، ولا تبخل عليّ بكلمات الإعجاب والتشجيع ، بعكس والدي رحمه الله ، الذي كان يتعفف عن مجر الإطلاع علي أعمالي الأدبية أو الفنية .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نكتفي بهذا القدر ـــــــــــــــــــــــ
الحلقة التاسعة قريباً إن شاء الله .
إلي اللقاء ،،،،،،،،،،،
أحمد عبد اللطيف النجار 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

D-Mohmmed Jabbrya بقلم د. محمد جابريه 💗 سأجمع حقيبتي 💗 فاتنة انت   وكل ما فيك يثيرني حتى عندما تغضبين وح...